ابن الجوزي

351

صيد الخاطر

ويحك ما تصنع بادخار مال لا يؤثر حسنة في صحيفة ولا مكرمة في تاريخ . أما سمعت بانفاق أبي بكر وبخل ثعلبة أما رأيت تأثير مدح حاتم وبخل الحباحب ! ويحك لو ابتلاك في مالك فقلّ لاستغثت ، أو في بدنك ليلة بمرض لشكوت . فأنت تستوفي مطلوباتك منه ، ولا تستوفي حقه عليك « وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ » ولتعلم أن هذا القدر المفرّط فيه يحل الخلود الدائم في ثواب العمل فيه . فسبحان من منّ على أقوام فهموا المراد فأتعبوا الأجساد وغطى على قلوب آخرين فوجدهم كالعدم . وكيف لا يتعب العاقل بدنه اتعاب البدن « 1 » والمقصود منى . أترى ما بال الحق متجليا في ايجادك أيها العبد ! بلى . واللّه ان وجودك دليل وجوده . وان نعمه عليك دليل جوده . فكما قدمك على سائر الحيوانات . فقدمه في قلبك على كل المطلوبات . وا خيبة من جهله ، وافقر من أعرض عنه ، واذلّ من اعتز بغيره ، وا حسرة من اشتغل بغير خدمته . 310 - وجوب الاستعداد للموت اني أعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه كيف يطيب عيشه ، خصوصا إذا علت سنه . واعجبا لمن يرى الأفاعي تدب اليه وهو لا ينزعج . أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه ، قد أخرج سكين القوى وأنزل متغشرم الضعف « 2 » ، وقلب السواد بياضا ، ثم في كل يوم يزيد الناقص . ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا وفراق الاخوان وان كان ذلك مزعجا . ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران . وانه لمما يسلي عن الدنيا ويهون فراقها استبدال المعارف بمن تنكره « 2 » فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون ، وفقراء كانوا يصبرون ، ومحاسبين لأنفسهم يتورعون ، فاستبدل السفهاء عن العقلاء ، والبخلاء عن الكرماء . فيا سهولة الرحيل ، لعل النفس تلقى من فقدت ، فتلحق بمن أحبت . 311 - سجود الجمادات للّه عز وجل واستثناء بعض العقلاء منه نظرت في قول اللّه تعالى « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ

--> ( 1 ) جمع بدنة وهي الناقة . ( 2 ) كذا .